عبد الله الأنصاري الهروي

773

منازل السائرين ( شرح القاساني )

[ 92 ] - [ م ] باب الفناء قال اللّه تعالى « أ » : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ [ 55 / 26 - 27 ] الفناء « ب » في هذا الباب اضمحلال ما دون الحقّ علما ، ثمّ جحدا ، ثمّ حقّا .

--> ( أ ) قال ابن القيّم ( مدارج 3 / 343 ) : « الفناء المذكور في الآية ليس هو الفناء الذي تشير إليه الطائفة ، فإنّ الفناء في الآية الهلاك والعدم . أخبر سبحانه : أنّ كلّ من على الأرض يعدم ويموت ، ويبقى وجهه سبحانه . . . » . وفيه : أنّ الفناء يقابل البقاء ، وذلك أعمّ من الموت ، على أنّ الإنسان لا يفنى بالموت ؛ وقد جاء في الحديث : « خلقتم للبقاء ، لا للفناء » مع أنّ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ويؤيّد كون الفناء غير الموت قوله تعالى : وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ، فإنّ الوجه الباقي فيضه سبحانه ضمن الوجودات الفانية ، وإلّا كان الأصح أن يقال : « ويبقى ربّك » . ( ب ) قال القشيري ( الرسالة : 139 - 140 ، الفناء والبقاء ) : « أشار القوم بالفناء إلى سقوط الأوصاف المذمومة . وأشاروا بالبقاء إلى قيام الأوصاف المحمودة به . . . اعلم أنّ الذي يتّصف به العبد أفعال وأخلاق وأحوال ، فمن ترك مذموم أفعاله بلسان الشريعة ، يقال : « إنّه فنى عن شهواته . . . » ومن عالج أخلاقه فنفى عن قلبه الحسد والحقد . . . وأمثال هذا من رعونات النفس ، يقال : « فنى عن سوء الخلق . . . » ومن شاهد جريان القدرة في تصاريف الأحكام ، يقال : « فنى عن حسبان الحدثان من الخلق . . . » ومن استولى عليه سلطان الحقيقة حتّى لم يشهد من الأغيار - لا عينا ولا أثرا ولا رسما ولا طللا - يقال : « إنّه فنى عن الخلق وبقي بالحقّ » ؛ ففناء العبد عن أفعاله الذميمة وأحواله الخسيسة بعدم هذه الأفعال ، وفناؤه عن نفسه وعن الخلق بزوال إحساسه بنفسه وبهم ؛ فإذا فنى عن الأفعال والأخلاق والأحوال فلا يجوز أن يكون ما فنى عنه من ذلك موجودا . وإذا قيل : « فنى عن نفسه وعن الخلق » : فنفسه موجودة والخلق موجودون ، ولكنّه لا علم له بهم ولا به ، ولا إحساس ولا خبر ، فتكون نفسه موجودة والخلق موجودين ، ولكنّه غافل من نفسه وعن الخلق أجمعين ، غير محسّ بنفسه وبالخلق . . . » .